حوار مع قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة مؤسسة “القلب الكبير”، المناصرة البارزة للأطفال اللاجئين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

1- ليس غريباً أن تطلق إمارة الشارقة جائزة لمناصرة ودعم اللاجئين نظراً لتنفيذها العديد من المبادرات والمشاريع ذات الطابع الإنساني، ما هي الرؤية التي تستند عليها الإمارة في هذا المجال؟
تتسبب الصراعات والنزاعات المسلحة بكوارث ومآسٍ إنسانية كثيرة، يكون المتضرر الأول منها المدنيون، الذين عادة ما يلجؤون إلى ترك بيوتهم ومغادرة أوطانهم بحثاً عن الأمان في أي مكان آخر في هذا العالم، في رحلة لجوء مريرة يدفعون فيها أثماناً باهظة من كرامتهم وإنسانيتهم، ويواجهون تحديات ومخاطر كثيرة تعرّض حياتهم للخطر، وتجعلهم عرضة للموت في أي لحظة.

في ظل هذا المشهد الإنساني بالغ التأثير، لم يكن ممكناً لإمارة الشارقة أن تقف على الحياد وتنظر إلى مئات الآلاف من اللاجئين، الذين يعانون بصمت وينتظرون من يمد إليهم يد العون والمساعدة، فبادرتُ بتوجيهات مباشرة ورعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، إلى إغاثتهم ونجدتهم، وأطلقتُ عدداً من المبادرات والحملات التي اهتمت بالأطفال المحتاجين، في مسعى مستمر لتخفيف مصاعب الحياة عنهم، ورسم ابتسامة الأمل على شفاههم.

وجاءت جائزة الشارقة الدولية لمناصرة ودعم اللاجئين، التي تنظمها مؤسسة “القلب الكبير”، بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تتويجاً لعهد جديد من البذل والعطاء يتماشى مع الأهداف السامية لعام الخير، ويستكمل جهود دولة الإمارات العربية المتحدة، وإمارة الشارقة، في إغاثة المستضعفين، من خلال دعم المبادرات المتميزة في مجال العمل الإنساني الهادفة إلى تحسين حياة مئات الآلاف من الأفراد والأسر المهجرين حول العالم.
وبلا شك فإن العطاء والعمل على تحسين حياة الأشخاص الذين شرّدتهم الحروب والمآسي يعزز مبدأ “التميز في العطاء”، وينسجم تماماً مع نهج دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها الرشيدة، الساعي إلى تأسيس حالة متفردة في العطاء الإنساني والالتزام بالتضامن مع الشعوب المتضررة، الأمر الذي يكرس أهمية الجائزة الرامية إلى ترسيخ القيم النبيلة ودعائم التكافل الخيري، وتحفيز أصحاب القلوب الكبيرة والأيادي البيضاء حول العالم إلى مزيد من العمل لخدمة اللاجئين.
والجائزة تمثل منهجية عمل مبتكرة، تقوم على تكريم أصحاب المشاريع والمبادرات الفاعلة، وتحتفي بالجهود التي أسهمت في توفير احتياجات اللاجئين والنازحين الغذائية والصحية والتعليمية والاجتماعية، والتي غرست في نفوسهم الثقة والأمل بالمستقبل؛ ومن هنا فإننا نرى أن هذه الجائزة تعزز الرؤى الإنسانية الرائدة للنهوض بواقع اللاجئين وتأمين الحياة الكريمة والآمنة لهم.

2- كيف أسهم الدور الكبير الذي يلعبه صاحب السمو حاكم الشارقة في مجال العمل الإنساني، في إلهامكم لإطلاق جائزة الشارقة الدولية لمناصرة ودعم اللاجئين؟

• إن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، رجل حكيم ذو رؤية قيادية تستشرف المستقبل، يضع دائماً التخفيف من هموم الناس وتلبية احتياجاتهم على رأس أولوياته، وقد بادر سموه إلى إطلاق مبادرات إنسانية عدة، محلياً ودولياً، استطاعت أن تحقق نتائج ملموسة على صعيد التنمية البشرية ودعم المحتاجين، إلى جانب دعمه للاجئين في مختلف دول العالم، لاسيما اللاجئين السوريين والفلسطينيين والعراقيين ولاجئي الروهينغا، وغيرهم الكثير.

وقد ألهمت رؤية سموه منهجية العمل الإنساني، ليس في إمارة الشارقة فحسب، بل في كافة أنحاء دولة الإمارات، ورسمت طريقاً جديدة وواضحة المعالم لمشاريع الدعم الإغاثي، ذات الطابع المستدام التي تترك أثراً طويل الأمد، وتراعي احتياجات مختلف الفئات والأعمار.
ونحن اليوم نسير على ذات الطريق مستلهمين أفعال سموه النبيلة في التخفيف من معاناة البشر، حيث يأتي إطلاقنا لجائزة الشارقة الدولية لمناصرة ودعم اللاجئين، برعاية كريمة من سموه، لتخفيف المعاناة الواقعة على المحتاجين واللاجئين والمعوزين، والأخذ بيدهم إلى حياة أفضل.

3- هل يمكننا القول إن إطلاق الجائزة في هذه الفترة جاء استجابة للمتغيّرات التي تمر بها المنطقة العربية وما نتج عنها من موجات متتالية من الهجرة واللجوء؟
لا يخفى على أحد ما تمر به منطقتنا العربية من صراعات مدمرة لا يزال بعضها مستعراًّ منذ أكثر من خمسة أعوام، ما سبّب مآسٍ إنسانية هائلة، وأثّر سلباً في حياة مئات الآلاف من اخوتنا، الذين تعرضوا للقهر والطرد والقتل والتشريد بلا ذنب، ووجدوا أنفسهم ضحية نزاعات لم يقترفوها، خصوصاً النساء والأطفال.
دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لم تكن بعيدة عن هذا المشهد الإنساني المؤثر، فبادرت منذ اللحظة الأولى إلى مداواة الجراح، وأطلقت حملات إغاثية عدة للتخفيف من مصاب اخوتنا، ووفرت لهم الاحتياجات الأساسية من الماء والغذاء والرعاية الصحية والتعليم والمأوى، وعملت بجد مع الدول والهيئات والمنظمات الدولية لضمان حياة كريمة لهؤلاء اللاجئين والمحرومين.
وجائزة الشارقة الدولية لمناصرة ودعم اللاجئين هي استكمال لمسيرة العطاء التي أطلقتها دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي استجابة مستمرة للظروف الراهنة، إذ أنها تكرّم الأعمال والمشاريع الإنسانية الطموحة، لتحفيزها على بذل المزيد من الجد والاجتهاد في مساعدة اللاجئين، وفي الوقت نفسه تشجيع الآخرين على دخول هذا المضمار الخيري الذي يتسع للجميع بلا استثناء، فالعطاء نهر كبير، يكبر أكثر بازدياد روافده.
إن النجاح في معالجة التحديات المترتبة على اللجوء أمر ممكن، ولتحقيقه بالشكل الأمثل، لا بد من تفعيل الابتكار في أساليب العمل الإنساني، وأعتقد أن الجائزة تقوم على هذه الركيزة المهمة.

4- تسعى الجائزة إلى تحسين حياة اللاجئين والمهجرين في قارة آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هل هناك توجه لتوسيع نطاق اهتمامها؟
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود نحو 65.3 مليون لاجئ حول العالم حتى نهاية 2015، في وقت ارتفع فيه أعداد اللاجئين في العام نفسه بنحو خمسة ملايين لاجئ، الأمر الذي يجعل العالم أمام زيادة سنوية هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن اللاجئين من سوريا وأفغانستان والصومال يشكلون نصف أعداد اللاجئين حول العالم، فإننا سندرك أهمية تركيز جهود الدول والمنظمات الإنسانية العالمية على مناطق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تحتضن النسبة الأكبر من هؤلاء اللاجئين.
وهذا تحديداً ما دفع جائزة الشارقة الدولية لمناصرة ودعم اللاجئين في دورتها الأولى إلى التركيز على تكريم الجهود الكبيرة المبذولة في هذه المناطق تحديداً، باعتبارها حاضنة لمجموعة من أهم المبادرات والمشاريع الإنسانية والخيرية الفاعلة في العالم حالياً.
وبالنظر إلى حداثة الجائزة، فإنها بكل تأكيد ستشهد خلال الأعوام المقبلة تطوراً كبيراً، فالبذرة عند زراعتها لا تبقى كما هي، بل تنمو وتكبر لتغدو شجرة معطاءة؛ لذا فإنه من غير المستبعد أن تضم الجائزة في دوراتها اللاحقة فئات جديدة، وأن تتوسع لتشمل مناطق أخرى من العالم، فتطلّعنا إلى ريادة العمل الإنساني العالمي وتكريمه ليس له حدود، وسنسعى دائماً لنظل في مقدمة الداعمين له.

5- الجائزة ستركز على تكريم أصحاب المشاريع والمبادرات الفاعلة، والتي وفرت احتياجات اللاجئين والنازحين، كيف ستسهم الجائزة في استمرارية مثل هذه المشاريع؟

منذ أن تفاقمت محنة اللجوء في العالم قبل أكثر من خمسة أعوام، تمكنت العديد من المبادرات والمشاريع الإنسانية حول العالم، من التأثير إيجاباً في حياة اللاجئين في مناطق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واستطاعت بمجملها أن تؤسس حالة تنموية واعدة ضمن ظروف بالغة الصعوبة.
وهذه المشاريع رسمت ابتسامة أمل على شفاه أناس كادوا أن ينسوا معنى الأمل، ووفرت لهم أسباباً للتمسك بالحياة والنهوض مجدداً، من خلال تأمين احتياجاتهم المادية، ودعمهم معنوياً، وأثمر ذلك قصص نجاح عديدة، أبدعها اللاجئون بأبسط المقومات المتاحة.
حريٌّ بنا أن نشكر ونقدّر هذه العطاءات والجهود الفريدة، التي بذلها القائمون على هذه المشاريع الإنسانية، لذلك تأتي الجائزة تكريماً لما قدموه من أثر إنساني طيب، ونرجو أن تشكل حافزاً إضافياً لهم لمواصلة العمل قدماً في إنارة الدرب أمام اللاجئين والمعوزين حول العالم.

6- ماذا بشأن الأطفال اللاجئين، أين موقعهم ضمن مجالات اهتمام الجائزة؟
إن الأطفال هم أكثر الفئات المجتمعية تضرراً وتأثراً بالصراعات والحروب، فصغر سنّهم وقصر تجربتهم في الحياة العامة يجعلهم الحلقة الأضعف عند اندلاع الكوارث والنزاعات وغياب القانون، حيث اجتمعت كل هذه المعطيات وضاعفت حرصنا على اتخاذ خطوات عملية أكثر في مجال توفير الرعاية اللازمة للأطفال اللاجئين، حيث أطلقنا في العام 2007 مبادرة “سلام يا صغار”، والتي سعينا من خلالها إلى تقديم يد العون والمساعدة للأطفال اللاجئين الفلسطينيين، وحققنا – بفضل الله – نتائج مُرضية في هذا الجانب.
تبع ذلك إطلاقنا حملة القلب الكبير، ومن ثم تحويلها إلى مؤسسة إنسانية عالمية، مثّلت نقطة تحول حقيقية على صعيد اهتمامنا بهذه الفئة، ووسّعت مجالات اهتمامنا بالأطفال اللاجئين، لتشمل إلى جانب الدعم المادي، التركيز على قضايا التعليم التي قطعنا فيها أشواطاً كبيرة، لاسيما مع الأطفال اللاجئين السوريين الذين أُغلقت مدارسهم بسبب الصراعات، ولم يتمكنوا من إكمال مسيرتهم التعليمية.
وفي أكتوبر 2014، انتقلنا إلى مرحلة أكثر تركيزاً على الأطفال ومعاناتهم المستمرة بسبب الصراعات، فاحتضنت الشارقة النسخة الأولى من مؤتمر الاستثمار في المستقبل، الذي نظمته مؤسسة “القلب الكبير”، حيث ناقش قضايا وشؤون الأطفال اللاجئين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونتج عنه “مبادئ الشارقة”، التي وضعت إطاراً عاماً لحماية الأطفال اللاجئين من تبعات الحروب، فكانت الاستجابة لها مباشرة، إذ سرعان ما تم اعتماد “مبادئ الشارقة” بعد أن ناقشتها جامعة الدول العربية مع مؤسسة “القلب الكبير” وعدد من الدول المعنية وممثلو المنظمات الدولية والمجتمع المدني، وتم إدراجها ضمن جدول أعمال لجنة الطفولة العربية التابعة لجامعة الدول العربية.
وتماشياً مع رؤيتنا التي تضع الأطفال اللاجئين على رأس سلم أولوياتنا، فإن الجائزة تتطلّع إلى وجود ترشيحات لمشاريع ومبادرات إنسانية تخصصت في دعم هذه الفئة، وأحدثت جهودها تغييراً إيجابياً في حياتهم.

7- هل لديكم توجه لتحويل جائزة الشارقة الدولية لمناصرة ودعم اللاجئين إلى جائزة للعمل الإنساني بشكل عام، بدلاً من اقتصارها على العمل الإنساني المتعلّق باللاجئين؟
عندما أطلقنا جائزة الشارقة الدولية لمناصرة ودعم اللاجئين، أردنا من خلالها تسليط الضوء على ما يقدمه الأفراد والمؤسسات العالمية من جهود إنسانية عظيمة في سبيل الحد من معاناة اللاجئين، وتكريم الجهود الأكثر تفرداً في هذا الصدد، حتى تشكّل تشجيعاً لجنود الخير على الاستمرار في توسيع مهامهم الإغاثية.
وعلى الرغم من أن فكرة توسيع الجائزة لتشمل مختلف جوانب العمل الإنساني تبدو مثيرة للاهتمام، إلا أن هناك العديد من المبادرات حول العالم تعنى بتكريم الأعمال الإنسانية النبيلة والقائمين عليها عموماً، لذا تسعى جائزة الشارقة إلى تجربة أكثر خصوصية في هذا المجال، من خلال التركيز على الجهود الإنسانية المتعلّقة باللاجئين، ومنحها التقدير الذي يليق بها.

8- كيف تسهم الجائزة في تحفيز الأفراد والمؤسسات على إطلاق المزيد من المبادرات الإبداعية والمبتكرة لتحسين حياة اللاجئين؟
التقدير حافزٌ مهمٌ للآخرين لتحقيق المزيد من الإنجاز المقترن بالإبداع والابتكار، وهذا ينسحب على كل جانب في حياتنا اليومية، فبالتقدير وحده نثري قيم التميز لدى الأفراد والمجموعات، حيث سيعملون جاهدين على تحقيق عناصر قوة في مشاريعهم وأعمالهم غير موجودة لدى الآخرين.
من هنا، فإن الجائزة تهدف إلى تكريم وتقدير مشاريع رسمت لنفسها خطاً مغايراً عن الآخرين، فأصبحت مثالاً يحتذى به في العطاء والخير، وأعتقد أن هذا من شأنه أن يدفع المزيد من الأشخاص إلى تبني هذا النهج في مشاريعهم الإغاثية، لما له من آثار لا تخلو من زيادة المنفعة، أو خفض الكلفة، أو اختصار الوقت، أو تسهيل العمل.

9- أخيراً، ماذا يعني إطلاق هذه الجائزة لكم شخصياً، وما هي الرؤية المستقبلية لها؟
شهد العمل الإنساني والإغاثي في إمارة الشارقة على مر الأعوام الماضية تطورات كبيرة، أصبح معها أكثر قدرة على التعاطي الكفؤ مع المتغيرات التي تطرأ على المشهد الإنساني في المنطقة والعالم، وكان هذا نتيجة للتنظيم المتزن والتخطيط الدقيق والتركيز على تحقيق الأهداف المحددة سلفاً ضمن الحملات والمبادرات الإنسانية العديدة التي تطلقها الإمارة.
والجائزة هي واحدة من صور نجاح الرؤية الإنسانية الملهمة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في رسم طريق واضحة المعالم للمبادرات الخيرية والإغاثية، إضافة إلى أنها خطوة رائدة لترسيخ مكانة إمارة الشارقة في مختلف المحافل الدولية، بصفتها منصة عالمية لإطلاق مبادرات إنسانية أثرت إيجاباً في حياة مئات الآلاف من المحتاجين.
إن إطلاق الجائزة في أول أيام عام الخير هو تأكيد على قيم الخير والعطاء التي تتبناها قيادتنا الرشيدة وتعمل على غرسها في نفوس الشباب والأجيال القادمة، حيث نتطلّع إلى زيادة أعداد المؤسسات ومشاريع الأفراد الإنسانية المشاركة في الجائزة عاماً بعد آخر، لتشكل حافزاً لانطلاق مشاريع أكثر إلهاماً لمساعدة اللاجئين والمحتاجين حول العالم، آملين أن تكون الجائزة بمثابة دعوة عالمية إلى إطلاق جوائز أخرى تكرم الأعمال الإنسانية في مختلف مناطق العالم.